السبت، 10 أغسطس 2013

شخصية السيسي وأفكاره

جمال سلطان

بينما تهتم الدوائر الغربية بالبحث الدقيق في شخصية الرجل الأهم في مصر حاليا وتقييمها له ومعرفة مخزونه الثقافي ومرجعياته الفكرية ، من أجل صناعة "التوقع السياسي" للقرارات والمسارات الجديدة في مصر ، تجد الإسلاميين هنا في مصر وأيضا في الخارج مشغولين بعملية شيطنة الشخص وجمع كل صفات القبح والسوء فيه وتحويله إلى المتهم الرئيسي في ما حل بمصر من أزمات سياسية خلال الفترة السابقة ، وربما هذا هو الفارق الجوهري بين مجتمعات تفكر وتخضع للعقل والموضوعية في التحليل للتعامل مع الواقع ، وبين مجتمعات تنفعل وتخضع للعواطف وأسرها وتنساق وراء الاستقطاب الديني والسياسي الحاد الذي ينتهي بك إلى صناعة واقع وهمي تعيش فيه ولا صلة له بالواقع الحقيقي الذي يحكم مسار التاريخ ويعمل الآخرون وفقه ، وفي إطار البحث والتقييم لشخصية السيسي قامت مجلة فورن بوليسي البحثية المتخصصة بنشر النص الكامل للبحث الذي قدمه الضابط المصري عبد الفتاح السيسي في ختام بعثته الدراسية في كلية الحرب الأمريكية في مارس 2006 ، وعندما أطلعني الزملاء في المصريون على محتوى الدراسة طلبت ترجمتها على الفور ، أو بمعنى أصح ترجمة ملخص لها ، لأن الدراسة طويلة نسبيا ، حوالي عشرين صفحة http://www.foreignpolicy.com/files/war-college-paper.pdf ، والحقيقة أن هذا البحث يكشف عن شخصية مطابقة تماما لنفس الشخصية التي تحدث عنها الإسلاميون أنفسهم الذين قابلوا السيسي قبل عامين أثناء المجلس العسكري السابق ، سواء كانوا من قيادات الإخوان المسلمين أو من رموز الدعوة السلفية ، وكنت مندهشا وأنا أستمع ـ شخصيا ـ لكلامهم عن هذا الرجل ، والإطراء الكبير على شخصيته ، وعلى ثقافته ، وعلى أخلاقه ، وحتى على معرفته الممتازة للتراث الإسلامي وعلومه وتاريخه وحضارته ، أحدهم قال لي : كنا نجلس معه كأننا طلاب علم ، من فرط المبالغة في الإطناب ، كذلك أتت شهادات أساتذته في الكلية الأمريكية عن أسرته ، وأنها أسرة متدينة من طبيعة المصريين وتدينهم ، حتى أن إحدى بناته منقبة والأخرى محجبة ، لكنه ليس له أي انتماءات سياسية ولا حزبية ولا أيديولوجية ، مواطن مصري عادي متدين ، لكنه مثقف وقارئ جيد للغاية ، وذكي ويحمل بصمات شخصية قوية ، لدرجة أن الورقة البحثية التي قدمها في نهاية دراسته كانت تحمل هجوما لاذعا وصريحا للغاية على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ، وتنديدا بتورط أمريكا في دعم النظم الاستبدادية على حساب حق الشعوب في المشاركة ، ووصف الأمريكيين بالنفاق السياسي ، وأنهم يعملون لمصلحتهم وليس لمصلحة الشعوب العربية والإسلامية ، كان كلاما جريئا جدا من ضابط مصري في رتبة مرموقة ويدرك أن مثل هذا الكلام قد يؤثر على مستقبله العسكري ، كما كشفت الورقة عن إيمان كبير للسيسي بأهمية الديمقراطية لإصلاح مسار العالم العربي ولكنه حذر من الاستعجال وأكد أن الديمقراطية تحتاج إلى فترة نمو وتدرج لضمان نجاحها ، وأضاف أن أي ديمقراطية في مصر لا بد أن تحترم المرجعية الإسلامية كشرط للنجاح لأن الدين هو المكون الأهم في ثقافة الشعب ، وحذر بشكل أساس من إشكالية مكانة الأجهزة الأمنية والعسكرية في النظام الديمقراطي وعلاقتهما بالأحزاب التي تأتي للحكم ، وهي نقطة شديدة الحساسية بالفعل وسوف أعرضها للنقاش في هذه الزاوية لأنها مفصلية في حل أزمة تعثر الديمقراطية في بلادنا ، والغريب أن البحث الذي أعده السيسي قبل حوالي ثماني سنوات ، كان يعتمد في مراجعه بشكل أساس على مؤلف شهير لداعية سلفي معروف وهو الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وكتابه "الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي" ، لكنه أظهر أيضا اهتماما بمتابعة الكتابات الليبرالية الجديدة والجادة مثل كتابات الصديق الدكتور وحيد عبد المجيد والراحل صلاح الدين حافظ وغيرهم ، أي أننا أمام نموذج جديد ، وربما جيل جديد ، من العسكرية المصرية لم يكن مألوفا في المراحل السابقة ، ولعل القارئ يتذكر ما كتب مرارا عن شخصية مبارك وعدائه للثقافة وكيف أنه كان لا يحب القراءة أساسا ، وكانت ثقافته شديدة الضحالة وكثير من أبناء العسكرية المصرية في المرحلة السابقة كانوا كذلك ، وكانت بصمات المدرسة الروسية بادية عليهم . في كل الأحوال نحن بحاجة إلى الفهم والإدراك والمعرفة ، وللجميع بعد ذلك أن يختار وينحاز ، لكن بعد المعرفة والعلم والفهم والإدراك ، وليس قبلهم ، لكي يكون الموقف السياسي ناضجا وعاقلا وموضوعيا وأمينا مع النفس والوطن ومشكلاته ومرتبطا بالواقع مهما كان الخلاف حوله ، وصاحب هذا القلم يؤمن من سنوات طويلة بأن بناء الديمقراطية وقواعدها في المجتمع لا يمكن أن تعلق على أشخاص مهما كانت أخلاقهم ونبلهم وعدالتهم ، وإنما الضمانة الحقيقية للديمقراطية هي المؤسسات وترسيخها في المجتمع وتنزيل الديمقراطية على فكر مؤسسي حقيقي وليس على إرادة أشخاص ، هذه قناعتي وما زالت ، غير أن هذا لا ينفي أبدا تأثير الأشخاص في الحراك السياسي ودورهم الكبير في سرعة أو بطء المسار الديمقراطي ، ومن هذا المنطلق أدعو الجميع إلى قراءة عقلية الفريق السيسي بشكل ناضج وأمين وعاقل ، بدلا من محاولات البعض شيطنته على خلفية صراع سلطة حسمه الرجل بدهاء وحنكة ، ومحاولة آخرين تحويله ملاكا على خلفية تحقيقه لأمنيات كانوا يريدونها بإزاحة حكم الإخوان المسلمين . 



المصدر المصريون


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق